فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ليبك يزيد ضارع لخصومة

ومنه قوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} [النور: 36].
وقوله تعالى: {وإلى الذين من قبلك} يريد من الأنبياء الذين نزلت عليهم الكتب.
وقوله تعالى: {له ما في السماوات} أي الملك والخلق والاختراع. و: {العلي} من علو القدر والسلطان. و: {العظيم} كذلك، وليس بعلو مسافة ولا عظم جرم، تعالى الله عن ذلك وقرأ نافع والكسائي: {يكاد} بالياء.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة وأبو عمرو وعاصم: {تكاد} بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ونافع وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وقتادة: {يتفطرون} من التفطر، وهو مطاوع فطرت. وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن والأعرج وأبو رجاء والجحدري: {ينفطرون} من الإفطار وهو مطاوع فطر، والمعنى فيهما: يتصدعن ويتشققن من سرعة جريهن خضوعًا وخشية من سلطان الله تعالى وتعظيمًا له وطاعة، وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود، لأن الله تعالى لا يوصف به.
وقوله: {من فوقهن} أي من أعلاهن. وقال الأخفش علي بن سليمان: الضمير للكفار.
قال القاضي أبو محمد: المعنى من فوق الفرق والجماعات الملحدة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات يتفطرن، فهذه الآية على هذا كالآية التي في:
{كهيعص} [مريم: 1]. وقالت فرقة معناه: من فوق الأرضين، إذ قد جرى ذكر الأرض، وذكر الزجاج أنه قرئ {يتفطرن ممن فوقهن}.
وقوله تعالى: {يسبحون بحمد ربهم} قيل معناه: يقولون سبحان الله، وقيل معناه: يصلون لربهم.
وقوله تعالى: {ويستغفرون لمن في الأرض} قالت فرقة: هذا منسوخ بقوله تعالى في آية أخرى: {ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7] وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الإخبار لا يتصور. وقال السدي ما معناه: إن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمن، فكأنه قال: {ويستغفرون لمن في الأرض} من المؤمنين، إذ الكفار عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقالت فرقة: بل هي على عمومها، لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة، وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وكأن الملائكة تقول: اللهم اهد أهل الأرض واغفر لهم. ويؤيد هذا التأويل تأكيده صفة الغفران والرحمة لنفسه بالاستفتاح، وذلك قوله: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} أي لما كان الاستغفار لجميع من في الأرض يبعد أن يجاب، رجا عز وجل بأن استفتح الكلام تهيئة لنفس السامع فقال: {ألا إن الله} هو الذي يطلب هذا منه، إذ هذه أوصافه، وهو أهل المغفرة.
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)}.
هذه آية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار وإزالة عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع الكلف سوى التبليغ فقط، لئلا يهتم بعدم إيمان قريش وغيرهم، فقال تعالى لنبيه: إن الذين اتخذوا الأصنام والأوثان أولياء من دون الله، الله هو الحفيظ عليهم كفرهم، المحصي لأعمالهم، المجازي لهم عليها بعذاب الآخرة، وأنت فلست بوكيل عليهم ولا ملازم لأمرهم حتى يؤمنوا. والوكيل: المقيم على الأمر، وما في هذا اللفظ من موادعة فهو منسوخ بآية السيف، ثم قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك} أي وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه في هذه الصورة، كذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا مبينًا لهم، لا يحتاجون معه إلى آخر سواه ولا محتج غيره، إذ فهمه متأت لهم ولم يكلفك إلا إنذارًا من ذكر. و: {أم القرى} مكة، والمراد أهل مكة، ولذلك عطف {من}، وهي في الأغلب لمن يعقل. و: {يوم الجمع} هو يوم القيامة، واقتصر في {تنذر} على المفعول الأول، لأن المعنى: وتنذر أهل أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع، أي تخوفهم إياه لما فيه من عذاب من كفر، وسمي {يوم الجمع} لاجتماع أهل الأرض فيه بأهل السماء، أو لاجتماع بني آدم للعرض.
وقوله: {لا ريب فيه} أي في نفسه وذاته، وارتياب الكفار به: لا يعتد به.
وقوله: {فريق} مرتفع على خبر الابتداء المضمر، كأنه قال: هم فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم قوى تعالى تسلية نبيه عليه السلام بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من إيمانهم أو كفرهم، وأنه لو أراد كونهم أمة واحدة لجمعهم عليه، ولكنه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته، وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأن الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقوة ما لهم من وليٍّ ولا نصير.
وقوله: {أم اتخذوا} كلام منقطع مما قبله، وليست معادلة، ولكن الكلام: كأنه أضرب عن حجة لهم أو مقالة مقررة فقال: {بل اتخذوا} هذا مشهور قول النحويين في مثل هذا، وذهب بعضهم إلى أن {أم} هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضراب، ثم أثبت الحكم بأنه عز وجل هو الولي الذي تنفع ولايته، وأنه هو الذي يحيي الموتى ويحشرهم إلى الآخرة ويبعثهم من قبورهم، وأن قدرته على كل شيء تعطي هذا وتقتضيه. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرآنًا عَرَبِيًّا} أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا بيّناه بلغة العرب.
قيل: أي أنزلنا عليك قرآنًا عربيًّا بلسان قومك؛ كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه.
والمعنى واحد.
{لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى} يعني مكة.
وقيل لمكة أم القرى لأن الأرض دُحيت من تحتها.
{وَمَنْ حَوْلَهَا} من سائر الخلق.
{وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع} أي بيوم الجمع، وهو يوم القيامة.
{لاَ رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه.
{فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير} ابتداء وخبر.
وأجاز الكسائيّ النصب على تقدير: لتنذر فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير.
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال الضحاك: أهل دين واحد؛ أهل ضلالة أو أهل هُدًى.
{ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ} قال أنس بن مالك: في الإسلام.
{والظالمون} رفع على الابتداء، والخبر {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} عطف على اللفظ.
ويجوز {وَلاَ نَصِيرٌ} بالرفع على الموضع و{مِنْ} زائدة.
قوله تعالى: {أَمِ اتخذوا} أي بل اتخذوا.
{مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} يعني أصنامًا.
{فالله هُوَ الولي} أي وليك يا محمد ووليّ من اتبعك، (لا وَليّ سواه).
{وَهُوَ يُحْيِي الموتى} يريد عند البعث.
{وَهُوَ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ} وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرءانًا عَرَبِيًّا}.
ذلك إشارة إلى مصدر {أَوْحَيْنَا} ومحل الكاف على ما ذهب إليه الأخفش من ورودها اسما النصب على المصدرية {وَقرءانًا} مفعول لأوحينا أي ومثل ذلك الإيحاء البديع البين المفهوم أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا لا لبس فيه عليك ولا على قومك، وقيل: إشارة إلى ما تقدم من {الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6] فالكاف مفعول لأوحينا {وَقرءانًا عَرَبِيًّا} حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرأن عربي، وجوز نصبه على المدح أو البدلية من كذلك، وقيل: أولى من هذا أن يكون إشارة إلى معنى الآية المتقدمة من أنه تعالى هو الحفيظ عليهم وأنه عليه الصلاة والسلام نذير فحسب لأنه أتم فائدة وأشمل عائدة ولا بد عليه من التجوز في قرآنًا عربيًّا إذ لا يصح أن يقال أوحينا ذلك المعنى وهو قرأن عربي لأن القرآنية والعربية صفة اللفظ لا المعنى لكن أمره سهل لقربه من الحقيقة لما بين اللفظ والمعنى من الملابسة القوية حتى يوصف أحدهما بما يوصف به الآخر مع ما في المجاز من البلاغة {لّتُنذِرَ أُمَّ القرى} أي أهل أم القرى على التجوز في النسبة أو بتقدير المضاف والمراد بأم القرى مكة، وسميت بذلك على ما قال الراغب لما روي أنه دحيت الدنيا من تحتها فهي كالأصل لها والام تقال لكل ما كان أصلًا لشيء، وقد يقال: هي أم لما حولها من القرى لأنها حدثت قبلها لا كل قرى الدنيا، وقد يقال لبلد: هي أم البلاد باعتبار احتياج أهالي البلاد إليها {وَمَنْ حَوْلَهَا} من العرب على ما ذهب إليه كثير وخص المذكورون بالذكر لأن السورة مكية وهم أقرب إليه عليه الصلاة والسلام وأول من أنذر أو لدفع ما يتوهم من أن أهل مكة ومن حولها لهم طمع في شفاعته صلى الله عليه وسلم وإن لم يؤمنوا لحق القرابة والمساكنة والجوار فخصهم بالإنذار لإزالة ذلك الطمع الفارغ، وقيل: {مِنْ حَوْلَهَا} جميع أهل الأرض واختاره البغوي وكذا القشيري وقال: لأن الكعبة سرة الأرض والدنيا محدقة بما هي فيه أعني مكة.
وهذا عندي لا يكاد يصح مع قولهم: إن عرضها كأم وذولها عز وإن المعمور في جانب الشمال أكثر منه في جانب الجنوب {وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع} أي يوم القيامة لأنه يجمع فيه الخلائق قال الله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع} [التغابن: 9] وقيل: تجمع فيه الأرواح والأشباح، وقيل: الأعمال والعمال، والإنذار يتعدى إلى مفعولين وقد يستعمل ثانيهما بالباء وقد حذف هاهنا ثاني مفعولي الأول وهو {يَوْمَ الجمع} والمراد به عذابه وأول مفعولي الثاني وهو {أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا} فقد حذف من الأول ما أثبت في الثاني ومن الثاني ما أثبت في الأول وذلك من الاحتباك.
وقال جار الله: الأول عام في الإنذار بأمور الدنيا والآخرة ثم خص بقوله تعالى: {وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع} يوم القيامة زيادة في الإنذار وبيانًا لعظمة أهواله لأن الإفراد بالذكر يدل عليه وكذلك إيقاع الإنذار عليه ثانيًا والظاهر عليه أن حذف المفعول الثاني من الأول لإفادة العموم وإن كان حذف الأول من الثاني لذلك أيضًا وتنذر كل أحد يوم الجمعة، وقيل: يوم الجمعة ظرف فيكون المفعولان محذوفين وقرئ {لّيُنذِرَ} بياء الغيبة على أن الفاعل ضمير القرآن لعدم حسن الالتفات هاهنا {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض في آخر الكلام مقرر لما قبله ويحتمل الحالية من {يَوْمَ الجمع} أو الاستئناف {فَرِيقٌ في الجنة وَفَرِيقٌ في السعير} أي بعد جمعهم في الموقف فإنهم يجمعون فيه أولًا ثم يفرقون بعد الحساب، {وَفَرِيقٌ} مبتدأ {وَفِى الجنة} صفته والخبر محذوف وكذا {فَرِيقٌ في السعير} أي منهم فريق كائن في الجنة ومنهم فريق كائن في النار، وضمير منهم للمجموعين لدلالة الجمع عليه، وجملة المبتدأ والخبر استئناف في جواب سؤال تقديره ثم كيف يكون حالهم؟ أو حال ولا ركاكة فيه؛ واشتراط الواو فيه غير مسلم، وجوز كون {فَرِيقٌ} فاعلًا للظرف المقدر، وفيه ضعف، وكونه مبتدأ والظرف المقدر في موضع الصفة له وفي الجنة خبره أي {فَرِيقٌ} كائن منهم مستقر في الجنة، وكونه مبتدأ خبره ما بعده من غير أن يكون هناك ظرف مقدر واقع صفة، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها في سياق التفصيل والتقسيم كما في قوله:
فثوب لبست وثوب أجر

وكونه خبر مبتدأ محذوف أي المجموعون فريق. إلخ.
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {فَرِيقًا} {وَفَرِيقًا} بنصبهما فقيل: هو على الحال من مقدر أي افترقوا أي المجموعون فريقًا وفريقًا أو من ضمير جمعهم المقدر لأن أل قامت مقامه أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين وهو من مجاز المشارفة أي مشارفين للتفرق أو الحال مقدرة فلا يلزم كون افتراقهم في حال اجتماعهم أو يقال إن اجتماعهم في زمان واحد لا ينافي افتراق أمكنتهم كما تقول: صلوالأفي وقت واحد في مساجد متفرقة فالمراد متفرقين في داري الثواب والعقاب، وإذا أريد بالجمع جمع الأرواح بالأشباح أو الأعمال بالعمال لا يحتاج إلى توفيق أصلًا، وجوز كون النصب بتنذر المقدر أو المذكور والمعنى تنذر فريقًا من أهل الجنة وفريقًا من أهل السعير لأن الإنذار ليس في الجنة والسعير ولا يخفى تكلفه.
{وَلَوْ شَاء الله} جعلهم أمة واحدة {لَجَعَلَهُمْ} أي في الدنيا {أُمَّةً وَاحِدَةً} مهتدين أو ضالين وهو تفصيل لما أجمله ابن عباس في قوله: على دين واحد، فمعنى قوله تعالى: {ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَاء في رَحْمَتِهِ} أنه تعالى يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها ويدخل من يشاء في عذابه أن يدخله فيه ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول ما أدخله ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعًا فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة بل جعلهم فريقين وإنما قيل {والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ} وكان الظاهر أن يقال ويدخل من يشاء في عذابه ونقمته للإيذان بأن الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته عز وجل كما في الإدخال في الرحمة، واختار الزمخشري كون المراد أمة واحدة مؤمنين وهو ما قاله مقاتل على دين الإسلام كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى} [الأنعام: 35] وقوله سبحانه: {وَلَوْ شيءنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] والمعنى ولو شاء الله تعالى مشيئة قدرة لقسرهم على الإيمان ولكنه سبحانه شاء مشيئة حكمة وكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بقوله تعالى: {مَن يَشَاء} وترك الظالمين بغير ولي ولا نصير، والكلام متعلق بقوله تعالى: {والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6] كالتعليل للنهي عن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم، فالظالمون مظهر أقيم مقام ضمير المتخذين ليفيد أن ظلمهم علة لما بعده أو هو للجنس ويتناولهم تناولًا أوليًا، وعدل عن الظاهر إلى ما في (النظم الجليل) إذ الكلام في الإنذار وهو أبلغ في تخويفهم لإشعاره بأن كونهم في العذاب أمر مفروغ منه وإنما الكلام في أنه بعد تحتمه هل لهم من يخلصهم بالدفع أو الرفع فإذا نفى ذلك علم أنهم في عذاب لا خلاص منه.
وتعقب بأن فرض جعل الكل مؤمنين يأباه تصدير الاستدراك بإدخال بعضهم في رحمته تعالى إذ الكل حينئذٍ داخلون فيها فكان المناسب حينئذٍ تصديره بإخراج بعضهم من بينهم وإدخالهم في عذابه، وربما يقال: حيث أن الآية متعلقة بما سمعت كان المراد ولو شاء الله تعالى لجعل الجميع مؤمنين كما تريد وتحرص عليه ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك بل جعل بعضهم مؤمنًا كما أردت وجعل بعضهم الآخر وهم أولئك المتخذون من دونه أولياء كفارًا لا خلاص لهم من العذاب حسبما تقتضيه الحكمة وكان التصدير بما صدر به مناسبًا كما لا يخفى على من له ذوق بأساليب الكلام إلا أن الظاهر على هذا أدخل من شاء دون «يدخل من يشاء» لكن عدل عنه إليه حكاية للحال الماضية، وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه سباق النظم الكريم وسياقه أن يراد الاتحاد في الكفر كما في قوله تعالى: {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فَبَعَثَ الله النبيين} [البقرة: 213] الآية على أحد الوجهين، فالمعنى ولو شاء الله تعالى لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولًا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع وما فيه من ألوان الأهوال فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته سبحانه أي شأنه عز شأنه ذلك فيرسل إلى الكل من ينذرهم ما ذكر فيتأثر بعضهم بالإنذار فيصرفون اختيارهم إلى الحق فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعات ويدخلهم في رحمته عز وجل ولا يتأثر به الآخرون ويتمادون في غيهم وهم الظالمون فيبقون في الدنيا على ما هم عليه من الكفر ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير ولي يلي أمرهم ولا نصير يخلصهم من العذاب انتهى.